فصل: فَصْلٌ فِي أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدُورِ وَحُصُولِهَا عَلَى الْكَمَالِ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ فِي أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدُورِ وَحُصُولِهَا عَلَى الْكَمَالِ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

فَأَعْظَمُ أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدْرِ التّوْحِيدُ وَعَلَى حَسَبِ كَمَالِهِ وَقُوّتِهِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ انْشِرَاحُ صَدْرِ صَاحِبِهِ. قَالَ اللّهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبّهِ} [الزّمَرُ 22]. وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا كَأَنّمَا يَصّعّدُ فِي السّمَاءِ} [الْأَنْعَامُ 125] فَالْهُدَى وَالتّوْحِيدُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدْرِ وَالشّرْكُ وَالضّلَالُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصّدْرِ وَانْحِرَاجِهِ وَمِنْهَا: النّورُ الّذِي يَقْذِفُهُ اللّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ وَهُوَ نُورُ الْإِيمَانِ فَإِنّهُ يَشْرَحُ الصّدْرَ وَيُوَسّعُهُ وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ. فَإِذَا فُقِدَ هَذَا النّورُ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ ضَاقَ وَحَرَجَ وَصَارَ فِي أَضْيَقِ سِجْنٍ وَأَصْعَبِهِ. وَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي جَامِعِهِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إذَا دَخَلَ النّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ. قَالُوا: وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ الْإِنَابَةُ إلَى دَارِ الْخُلُودِ وَالتّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ فَيُصِيبُ الْعَبْدَ مِنْ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِحَسْبِ نَصِيبِهِ مِنْ هَذَا النّورِ وَكَذَلِكَ النّورُ الْحِسّيّ وَالظّلْمَةُ الْحِسّيّةُ هَذِهِ تَشْرَحُ الصّدْرَ وَهَذِهِ تُضَيّقُهُ. وَمِنْهَا: الْعِلْمُ فَإِنّهُ يَشْرَحُ الصّدْرَ وَيُوَسّعُهُ حَتّى يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الدّنْيَا وَالْجَهْلُ يُورِثُهُ الضّيقُ وَالْحَصْرُ وَالْحَبْسُ فَكُلّمَا اتّسَعَ عِلْمُ الْعَبْدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَاتّسَعَ وَلَيْسَ هَذَا لِكُلّ عِلْمٍ بَلْ لِلْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ الرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ الْعِلْمُ النّافِعُ فَأَهْلُهُ أَشْرَحُ النّاسِ صَدْرًا وَأَوْسَعُهُمْ قُلُوبًا وَأَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا وَأَطْيَبُهُمْ عَيْشًا. وَمِنْهَا: الْإِنَابَةُ إلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَحَبّتُهُ بِكُلّ الْقَلْبِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ وَالتّنَعّمُ بِعِبَادَتِهِ فَلَا شَيْءَ أَشْرَحُ لِصَدْرِ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ. حَتّى إنّهُ لَيَقُولُ أَحْيَانًا: إنْ كُنْتُ فِي الْجَنّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنّي إذًا فِي عَيْشٍ طَيّبٍ وَلِلْمَحَبّةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصّدْرِ وَطِيبِ النّفْسِ وَنَعِيمُ الْقَلْبِ لَا يَعْرِفُهُ إلّا مَنْ لَهُ حِسّ بِهِ وَكُلّمَا كَانَتْ الْمَحَبّةُ أَقْوَى وَأَشَدّ كَانَ الصّدْرُ أَفْسَحَ وَأَشْرَحَ وَلَا يَضِيقُ إلّا عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَطّالِينَ الْفَارِغِينَ مِنْ هَذَا الشّأْنِ فَرُؤْيَتُهُمْ قَذَى عَيْنِهِ وَمُخَالَطَتُهُمْ حُمّى رُوحِهِ. وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصّدْرِ الْإِعْرَاضُ عَنْ اللّهِ تَعَالَى وَتَعَلّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ وَمَحَبّةُ سِوَاهُ فَإِنّ مَنْ أَحَبّ شَيْئًا غَيْرَ اللّهِ عُذّبَ بِهِ وَسُجِنَ قَلْبُهُ فِي مَحَبّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْهُ وَلَا أَكْسَفَ بَالًا وَلَا أَنْكَدُ عَيْشًا وَلَا أَتْعَبُ قَلْبًا فَهُمَا مَحَبّتَانِ مَحَبّةٌ هِيَ جَنّةُ الدّنْيَا وَسُرُورُ النّفْسِ وَلَذّةُ الْقَلْبِ وَنَعِيمُ الرّوحِ وَغِذَاؤُهَا وَدَوَاؤُهَا بَلْ حَيَاتُهَا وَقُرّةُ عَيْنِهَا وَهِيَ مَحَبّةُ اللّهِ وَحْدَهُ بِكُلّ الْقَلْبِ وَانْجِذَابُ قُوَى الْمَيْلِ وَالْإِرَادَةُ وَالْمَحَبّةُ كُلّهَا إلَيْهِ. وَمَحَبّةٌ هِيَ عَذَابُ الرّوحِ وَغَمّ النّفْسِ وَسِجْنُ الْقَلْبِ وَضِيقُ الصّدْرِ وَهِيَ سَبَبُ الْأَلَمِ وَالنّكَدِ وَالْعَنَاءِ وَهِيَ مَحَبّةُ مَا سِوَاهُ سُبْحَانَهُ. وَمِنْ أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدْرِ دَوَامُ ذِكْرِهِ عَلَى كُلّ حَالٍ وَفِي كُلّ مَوْطِنٍ فَلِلذّكْرِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصّدْرِ وَنَعِيمِ الْقَلْبِ وَلِلْغَفْلَةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي ضِيقِهِ وَحَبْسِهِ وَعَذَابِهِ. وَمِنْهَا: الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالنّفْعِ بِالْبَدَنِ وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ فَإِنّ الْكَرِيمَ الْمُحْسِنَ أَشْرَحُ النّاسِ صَدْرًا وَأَطْيَبُهُمْ نَفْسًا وَأَنْعَمُهُمْ قَلْبًا وَالْبَخِيلُ الّذِي لَيْسَ فِيهِ إحْسَانٌ أَضْيَقُ النّاسِ صَدْرًا وَأَنْكَدُهُمْ عَيْشًا وَأَعْظَمُهُمْ همّا وَغَمّا. وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الصّحِيحِ مَثَلًا لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيُنِ عَلَيْهِمَا جُنّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ كُلّمَا هَمّ الْمُتَصَدّقُ بِصَدَقَةِ اتّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ حَتّى يَجُرّ ثِيَابَهُ وَيُعْفِيَ أَثَرَهُ وَكُلّمَا هَمّ الْبَخِيلُ بِالصّدَقَةِ لَزِمَتْ كُلّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَلَمْ تَتّسِعْ عَلَيْهِ فَهَذَا مَثَلُ انْشِرَاحِ صَدْرِ الْمُؤْمِنِ الْمُتَصَدّقِ وَانْفِسَاحِ قَلْبِهِ وَمَثَلُ ضِيقِ صَدْرِ الْبَخِيلِ وَانْحِصَارِ قَلْبِهِ وَمِنْهَا الشّجَاعَةُ فَإِنّ الشّجَاعَ مُنْشَرِحُ الصّدْرِ وَاسِعُ الْبِطَان مُتّسِعُ الْقَلْبِ وَالْجَبَانُ أَضْيَقُ النّاسِ صَدْرًا وَأَحْصَرُهُمْ قَلْبًا لَا فَرْحَةٌ لَهُ وَلَا سُرُورٌ وَلَا لَذّةٌ لَهُ وَلَا نَعِيمٌ إلّا مِنْ جِنْسِ مَا لِلْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيّ وَأَمّا سُرُورُ الرّوحِ وَلَذّتُهَا وَنَعِيمُهَا وَابْتِهَاجُهَا فَمُحَرّمٌ عَلَى كُلّ جَبَانٍ كَمَا هُوَ مُحَرّمٌ عَلَى كُلّ بَخِيلٍ وَعَلَى كُلّ مُعْرِضٍ عَنْ اللّهِ سُبْحَانَهُ غَافِلٍ عَنْ ذِكْرِهِ جَاهِلٍ بِهِ وَبِأَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَدِينِهِ مُتَعَلّقِ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ.
وَإِنّ هَذَا النّعِيمَ وَالسّرُورَ يَصِيرُ فِي الْقَبْرِ رِيَاضًا وَجَنّةً وَذَلِكَ الضّيقُ وَالْحَصْرُ يَنْقَلِبُ فِي الْقَبْرِ عَذَابًا وَسِجْنًا. فَحَالُ الْعَبْدِ فِي الْقَبْرِ كَحَالِ الْقَلْبِ فِي الصّدْرِ نَعِيمًا وَعَذَابًا وَسِجْنًا وَانْطِلَاقًا وَلَا عِبْرَةَ بِانْشِرَاحِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضِ وَلَا بِضِيقِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضِ فَإِنّ الْعَوَارِضَ تَزُولُ بِزَوَالِ أَسْبَابِهَا وَإِنّمَا الْمُعَوّلُ عَلَى الصّفَةِ الّتِي قَامَتْ بِالْقَلْبِ تُوجِبُ انْشِرَاحَهُ وَحَبْسَهُ فَهِيَ الْمِيزَانُ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَمِنْهَا بَلْ مِنْ أَعْظَمِهَا: إخْرَاجُ دَغَلِ القْلبِ مِنْ الصّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الّتِي يَكُونَ لَهُ مَادّتَانِ تَعْتَوِرَانِ عَلَى قَلْبِهِ وَهُوَ لِلْمَادّةِ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. وَمِنْهَا: تَرْكُ فُضُولِ النّظَرِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالْمُخَالَطَةِ وَالْأَكْلِ وَالنّوُمِ فَإِنّ هَذِهِ الْفُضُولَ تَسْتَحِيلُ آلَامًا وَغُمُومًا وَهُمُومًا فِي الْقَلْبِ تَحْصُرُهُ وَتَحْبِسُهُ وَتُضَيّقُهُ وَيَتَعَذّبُ بِهَا بَلْ غَالِبُ عَذَابِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهَا فَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ مَا أَضْيَقَ صَدْرَ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلّ آفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ بِسَهْمِ وَمَا أَنْكَدَ عَيْشَهُ وَمَا أَسْوَأَ حَالِهِ وَمَا أَشَدّ حَصْرِ قَلْبِهِ وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ مَا أَنْعَمَ عَيْشِ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلّ خَصْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ بِسَهْمِ وَكَانَتْ هِمّتُهُ دَائِرَةً عَلَيْهَا حَائِمَةً حَوْلَهَا فَلِهَذَا نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الِانْفِطَارُ 13] وَلِذَلِكَ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الِانْفِطَارُ 14] وَبَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ لَا يُحْصِيهَا إلّا اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَالْمَقْصُودُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ أَكْمَلَ الْخَلْقِ فِي كُلّ صِفَةٍ يَحْصُلُ بِهَا انْشِرَاحُ الصّدْرِ وَاتّسَاعُ الْقَلْبِ وَقُرّةُ الْعَيْنِ وَحَيَاةُ الرّوحِ فَهُوَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ فِي هَذَا الشّرْحِ وَالْحَيَاةِ وَقُرّةِ الْعَيْنِ مَعَ مَا خُصّ بِهِ مِنْ الشّرْحِ الْحِسّيّ وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ مُتَابَعَةً لَهُ أَكْمَلُهُمْ انْشِرَاحًا وَلَذّةً وَقُرّةَ عَيْنٍ وَعَلَى حَسَبِ مُتَابَعَتِهِ يَنَالُ الْعَبْدُ مِنْ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ وَقُرّةِ عَيْنِهِ وَلَذّةِ رُوحِهِ مَا يَنَالُ فَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذُرْوَةِ الْكَمَالِ مِنْ شَرْحِ الصّدْرِ وَرَفْعِ الذّكْرِ وَوَضْعِ الْوِزْرِ وَلِأَتْبَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ نَصِيبِهِمْ مِنْ اتّبَاعِهِ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَهَكَذَا لِأَتْبَاعِهِ نَصِيبٌ مِنْ حِفْظِ اللّهِ لَهُمْ وَعِصْمَتِهِ إيّاهُمْ وَدِفَاعِهِ عَنْهُمْ وَإِعْزَازِهِ لَهُمْ وَنَصْرِهِ لَهُمْ بِحَسْبِ نَصِيبِهِمْ مِنْ الْمُتَابَعَةِ فَمُسْتَقِلّ وَمُسْتَكْثِرٌ. فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللّهَ. وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ.

.فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الصّيَامِ:

.الْمَقْصُودُ مِنْ الصّيَامِ وَفَوَائِدِهِ:

كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الصّيَامِ حَبْسَ النّفْسِ عَنْ الشّهَوَاتِ وَفِطَامَهَا عَنْ الْمَأْلُوفَاتِ وَتَعْدِيلَ قُوّتِهَا الشّهْوَانِيّةِ لِتَسْتَعِدّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا وَقَبُولِ مَا تَزْكُو بِهِ مِمّا فِيهِ حَيَاتُهَا الْأَبَدِيّةُ وَيَكْسِرُ الْجُوعُ وَالظّمَأُ مِنْ حِدّتِهَا وَسَوْرَتِهَا وَيُذَكّرُهَا بِحَالِ الْأَكْبَادِ الْجَائِعَةِ مِنْ الْمَسَاكِينِ. وَتُضَيّقُ مَجَارِي الشّيْطَانِ مِنْ الْعَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجَارِي الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَتَحْبِسُ قُوَى الْأَعْضَاءِ عَنْ اسْتِرْسَالِهَا لِحُكْمِ الطّبِيعَةِ فِيمَا يَضُرّهَا فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا وَيُسَكّنُ كُلّ عُضْوٍ مِنْهَا وَكُلّ قُوّةٍ عَنْ جِمَاحِهِ وَتُلْجَمُ بِلِجَامِهِ فَهُوَ لِجَامُ الْمُتّقِينَ وَجُنّةُ الْمُحَارِبِينَ وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرّبِينَ وَهُوَ لِرَبّ الْعَالَمِينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ فَإِنّ الصّائِمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَإِنّمَا يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ فَهُوَ تَرْكُ مَحْبُوبَاتِ النّفْسِ وَتَلَذّذَاتِهَا إيثَارًا لِمَحَبّةِ اللّهِ وَمَرْضَاتِهِ وَهُوَ سِرّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبّهِ لَا يَطّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ وَالْعِبَادُ قَدْ يَطّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى تَرْكِ الْمُفْطِرَاتِ الظّاهِرَةِ وَأَمّا كَوْنُهُ تَرْكَ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَشَهْوَتِهِ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ فَهُوَ أَمْرٌ لَا يَطّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الصّوْمِ. أَيْدِي الشّهَوَاتِ فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التّقْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ} [الْبَقَرَةُ 185]. وَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّوْمُ جُنّةٌ. وَأَمَرَ مَنْ اشْتَدّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النّكَاحِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصّيَامِ وَجَعَلَهُ وِجَاءَ هَذِهِ الشّهْوَةِ. وَالْمَقْصُودُ أَنّ مَصَالِحَ الصّوْمِ لَمّا كَانَتْ مَشْهُودَةً بِالْعُقُولِ السّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ شَرَعَهُ اللّهُ لِعِبَادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ وَإِحْسَانًا إلَيْهِمْ وَحِمْيَةً لَهُمْ وَجُنّةً. وَكَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهِ أَكْمَلَ الْهَدْيِ وَأَعْظَمَ تَحْصِيلٍ لِلْمَقْصُودِ وَأَسْهَلَهُ عَلَى النّفُوسِ. كَانَ فَطْمُ النّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا مِنْ أَشَقّ الْأُمُورِ وَأَصْعَبِهَا تَأَخّرَ فَرْضُهُ إلَى وَسَطِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لَمّا تَوَطّنَتْ النّفُوسُ عَلَى التّوْحِيدِ وَالصّلَاةِ وَأَلِفَتْ أَوَامِرَ الْقُرْآنِ فَنُقِلَتْ إلَيْهِ بِالتّدْرِيجِ.

.زَمَنُ فَرْضِيّةِ الصّيَامِ:

وَكَانَ فَرْضُهُ فِي السّنَةِ الثّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ فَتُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ وَفُرِضَ أَوّلًا عَلَى وَجْهِ التّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ثُمّ نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ التّخْيِيرِ إلَى تَحَتّمِ الصّوْمِ وَجَعَلَ الْإِطْعَامَ لِلشّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ إذَا لَمْ يُطِيقَا الصّيَامَ فَإِنّهُمَا يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ عَنْ كُلّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَرَخّصَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَا وَيَقْضِيَا وَلِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا كَذَلِكَ فَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا زَادَتَا مَعَ الْقَضَاءِ إطْعَامَ مِسْكِينٍ لِكُلّ يَوْمٍ فَإِنّ فِطْرَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِخَوْفِ مَرَضٍ وَإِنّمَا كَانَ مَعَ الصّحّةِ فَجُبِرَ بِإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ كَفِطْرِ الصّحِيحِ فِي أَوّلِ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ لِلصّوْمِ رُتَبٌ ثَلَاثٌ إحْدَاهَا: إيجَابُهُ بِوَصْفِ التّخْيِيرِ.
وَالثّانِيَةُ تَحَتّمُهُ لَكِنْ كَانَ الصّائِمُ إذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطّعَامُ وَالشّرَابُ إلَى اللّيْلَةِ الْقَابِلَةِ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالرّتْبَةِ الثّالِثَةِ وَهِيَ الّتِي اسْتَقَرّ عَلَيْهَا الشّرْعُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

.فصل إكْثَارُ الْعِبَادَاتِ فِي رَمَضَانَ:

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْإِكْثَارُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ فَكَانَ جِبْرِيلُ يُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ وَكَانَ إذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنْ الرّيحِ الْمُرْسَلَةِ وَكَانَ أَجْوَدَ النّاسِ وَأَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ يُكْثِرُ فِيهِ مِنْ الصّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالصّلَاةِ وَالذّكْرِ وَالِاعْتِكَافِ.

.الْوِصَالُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُطْعِمُنِي رَبّي وَيَسْقِينِي:

وَكَانَ يَخُصّ رَمَضَانَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِمَا لَا يَخُصّ غَيْرَهُ بِهِ مِنْ الشّهُورِ حَتّى إنّهُ كَانَ لَيُوَاصِلَ فِيهِ أَحْيَانًا لِيُوَفّرَ سَاعَاتِ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنْ الْوِصَالِ فَيَقُولُونَ لَهُ إنّك تُوَاصِلُ فَيَقُولُ لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنّي أَبِيت- وَفِي رِوَايَةٍ إنّي أَظَلّ- عِنْدَ رَبّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي هَذَا الطّعَامِ وَالشّرَابِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنّهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ حِسّيّ لِلْفَمِ قَالُوا: وَهَذِهِ حَقِيقَةُ اللّفْظِ وَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهَا.
الثّانِي: أَنّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُغَذّيهِ اللّهُ بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ وَمَا يَفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذّةِ مُنَاجَاتِهِ وَقُرّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ وَتَنَعّمِهِ بِحُبّهِ وَالشّوْقِ إلَيْهِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ الّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ وَقُرّةُ الْعَيْنِ وَبَهْجَةُ النّفُوسِ وَالرّوحِ وَالْقَلْبِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ غِذَاءً وَأَجْوَدُهُ وَأَنْفَعُهُ وَقَدْ يَقْوَى هَذَا الْغِذَاءُ حَتّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ مُدّةً مِنْ الزّمَانِ كَمَا قِيلَ:
لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا ** عَنْ الشّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنْ الزّادِ

لَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ ** وَمِنْ حَدِيثِك فِي أَعْقَابِهَا حَادِي

إذَا شَكَتْ مِنْ كَلالِ السّيْرِ أَوْعَدَهَا ** رُوْحُ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادٍ

وَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيّ وَلَا سِيّمَا الْمَسْرُورُ الْفَرْحَانُ الظّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الّذِي قَدْ قَرّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ وَتَنَعّمَ بِقُرْبِهِ وَالرّضَى عَنْهُ وَأَلْطَافِ مَحْبُوبِهِ وَهَدَايَاهُ وَتُحَفِهِ تَصِلُ إلَيْهِ كُلّ وَقْتٍ وَمَحْبُوبُهُ حَفِيّ بِهِ مُعْتَنٍ بِأَمْرِهِ مُكْرِمٌ لَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ مَعَ الْمَحَبّةِ التّامّةِ لَهُ أَفَلَيْسَ فِي هَذَا أَعْظَمُ غِذَاءً لِهَذَا الْمُحِبّ؟ فَكَيْفَ بِالْحَبِيبِ الّذِي لَا شَيْءَ أَجَلّ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ وَلَا أَجْمَلُ وَلَا أَكْمَلُ وَلَا أَعْظَمُ إحْسَانًا إذَا امْتَلَأَ قَلْبُ الْمُحِبّ بِحُبّهِ وَمَلَكَ حُبّهُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ وَتَمَكّنَ حُبّهُ مِنْهُ أَعْظَمَ تَمَكّنٍ وَهَذَا حَالُهُ مَعَ حَبِيبِهِ أَفَلَيْسَ هَذَا الْمُحِبّ عِنْدَ حَبِيبِهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا؟ وَلِهَذَا قَالَ إنّي أَظَلّ عِنْدَ رَبّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ طَعَامًا وَشَرَابًا لِلْفَمِ لَمَا كَانَ صَائِمًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُوَاصِلًا وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي اللّيْلِ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا وَلَقَالَ لِأَصْحَابِهِ إذْ قَالُوا لَهُ إنّك تُوَاصِلُ لَسْتُ أُوَاصِلُ. وَلَمْ يَقُلْ لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ بَلْ أَقَرّهُمْ عَلَى نِسْبَةِ الْوِصَالِ إلَيْهِ وَقَطَعَ الْإِلْحَاقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَا بَيّنَهُ مِنْ الْفَارِقِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاصَلَ فِي رَمَضَانَ فَوَاصَلَ النّاسُ فَنَهَاهُمْ فَقِيلَ لَهُ أَنْتَ تُوَاصِلُ. فَقَالَ إنّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إنّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى. وَسِيَاقُ الْبُخَارِيّ لِهَذَا الْحَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْوِصَالِ فَقَالُوا: إنّك تُوَاصِلُ. قَالَ إنّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إنّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى وَفِي الصّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْوِصَالِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنّك يَا رَسُولَ اللّهِ تُوَاصِلُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَيّكُمْ مِثْلِي إنّي أَبِيتُ يُطْعِمنُي رَبّي وَيَسْقِينِي. وَأَيْضًا: فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا نَهَاهُمْ عَنْ الْوِصَالِ فَأَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمّ يَوْمًا ثُمّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ. كَالْمُنَكّلِ لَهُمْ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ لَوْ مُدّ لَنَا الشّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمّقُونَ تَعَمّقَهُمْ إنّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ أَوْ قَالَ إنّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي فَإِنّي أَظَلّ يُطْعِمُنِي رَبّي وَيَسْقِينِي فَأَخْبَرَ أَنّهُ يُطْعَمُ وَيُسْقَى مَعَ كَوْنِهِ مُوَاصِلًا وَقَدْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ مُنَكّلًا بِهِمْ مُعَجّزًا لَهُمْ فَلَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ لَمَا كَانَ ذَلِكَ تَنْكِيلًا وَلَا تَعْجِيزًا بَلْ وَلَا وِصَالًا وَهَذَا بِحَمْدِ اللّهِ وَاضِحٌ. وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لِلْأُمّةِ وَأَذِنَ فِيهِ إلَى السّحَرِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ أَنّهُ سَمِعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السّحَرِ».

.الِاخْتِلَافُ فِي حُكْمِ الْوِصَالِ وَتَرْجِيحِ الْمُصَنّفِ بِجَوَازِهِ مِنْ السّحَرِ إلَى السّحَرِ:

فَإِنْ قِيلَ فَمَا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهَلْ الْوِصَالُ جَائِزٌ أَوْ مُحَرّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ قِيلَ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنّهُ جَائِزٌ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ السّلَفِ وَكَانَ ابْنُ الزّبَيْرِ يُوَاصِلُ الْأَيّامَ وَمِنْ حُجّةِ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاصَلَ بِالصّحَابَةِ مَعَ نَهْيِهِ لَهُمْ عَنْ الْوِصَالِ كَمَا فِي الصّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ وَقَالَ إنّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ فَلَمّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمّ يَوْمًا فَهَذَا وِصَالُهُ بِهِمْ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ الْوِصَالِ وَلَوْ كَانَ النّهْيُ لِلتّحْرِيمِ لَمَا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَلَمَا أَقَرّهُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالُوا: فَلَمّا فَعَلُوهُ بَعْدَ نَهْيِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ وَيُقِرّهُمْ عُلِمَ أَنّهُ أَرَادَ الرّحْمَةَ بِهِمْ وَالتّخْفِيفَ عَنْهُمْ قَالَتْ عَائِشَةُ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: لَا يَجُوزُ الْوِصَالُ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشّافِعِيّ وَالثّوْرِيّ رَحِمَهُمْ اللّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ: وَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُمْ إنّهُمْ لَمْ يُجِيزُوهُ لِأَحَدِ قُلْت: الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ نَصّ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَاحْتَجّ الْمُحَرّمُونَ بِنَهْيِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا: وَالنّهْيُ يَقْتَضِي التّحْرِيمَ. قَالُوا: وَقَوْلُ عَائِشَةَ: رَحْمَةً لَهُمْ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِلتّحْرِيمِ بَلْ يُؤَكّدُهُ فَإِنّ مِنْ رَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ حَرّمَهُ عَلَيْهِمْ بَلْ سَائِرُ مَنَاهِيهِ لِلْأُمّةِ رَحْمَةٌ وَحِمْيَةٌ وَصِيَانَةٌ. قَالُوا: وَأَمّا مُوَاصَلَتُهُ بِهِمْ بَعْدَ نَهْيِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَقْرِيرًا لَهُمْ كَيْفَ وَقَدْ نَهَاهُمْ وَلَكِنْ تَقْرِيعًا وَتَنْكِيلًا فَاحْتَمَلَ مِنْهُمْ الْوِصَالَ بَعْدَ نَهْيِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ النّهْيِ فِي تَأْكِيدِ زَجْرِهِمْ وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي نَهْيِهِمْ عَنْهُ بِظُهُورِ الْمَفْسَدَةِ الّتِي نَهَاهُمْ لِأَجْلِهَا فَإِذَا ظَهَرَتْ لَهُمْ مَفْسَدَةُ الْوِصَالِ وَظَهَرَتْ حِكْمَةُ النّهْيِ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى قَبُولِهِمْ وَتَرْكِهِمْ لَهُ فَإِنّهُمْ إذَا ظَهَرَ لَهُمْ مَا فِي الْوِصَالِ وَأَحَسّوا مِنْهُ الْمَلَلَ فِي الْعِبَادَةِ وَالتّقْصِيرِ فِيمَا هُوَ أَهَمّ وَأَرْجَحُ مِنْ وَظَائِفِ الدّينِ مِنْ الْقُوّةِ فِي أَمْرِ اللّهِ وَالْخُشُوعِ فِي فَرَائِضِهِ وَالْإِتْيَانِ بِحُقُوقِهَا الظّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَالْجُوعُ الشّدِيدُ يُنَافِي ذَلِكَ وَيَحُولُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَهُ تَبَيّنَ لَهُمْ حِكْمَةُ النّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ وَالْمَفْسَدَةِ الّتِي فِيهِ لَهُمْ دُونَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا: وَلَيْسَ إقْرَارُهُ لَهُمْ عَلَى الْوِصَالِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ بِأَعْظَمَ مِنْ إقْرَارِ الْأَعْرَابِيّ عَلَى الْبَوْلِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَةِ التّأْلِيفِ وَلِئَلّا يُنَفّرَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَا بِأَعْظَمِ مِنْ إقْرَارِهِ أَخْبَرَهُمْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةِ وَأَنّ فَاعِلَهَا غَيْرُ مُصَلّ بَلْ هِيَ صَلَاةٌ بَاطِلَةٌ فِي دِينِهِ فَأَقَرّهُ عَلَيْهَا لِمَصْلَحَةِ تَعْلِيمِهِ وَقَبُولِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَإِنّهُ أَبْلَغُ فِي التّعْلِيمِ وَالتّعَلّمِ قَالُوا: وَقَدْ قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ. قَالُوا: وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْوِصَالَ مِنْ خَصَائِصِهِ. فَقَالَ إنّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا لَهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَصَائِصِهِ. قَالُوا: وَفِي الصّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: «إذَا أَقْبَلَ اللّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتْ الشّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصّائِمُ» وَفِي الصّحِيحَيْنِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى. قَالُوا: فَجَعَلَهُ مُفْطِرًا حُكْمًا بِدُخُولِ وَقْتِ الْفِطْرِ وَإِنْ لَمْ يُفْطِرْ وَذَلِكَ يُحِيلُ الْوِصَالَ شَرْعًا. قَالُوا: وَقَدْ قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: «لَا تَزَالُ أُمّتِي عَلَى الْفِطْرَةِ أَوْ لَا تَزَالُ أُمّتِي بِخَيْرِ مَا عَجّلُوا الْفِطْرَ».
أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ لَا يَزَالُ الدّينُ ظَاهِرًا مَا عَجّلَ النّاسُ الْفِطْرَ إنّ الْيَهُودَ وَالنّصَارَى يُؤَخّرُونَ.
وَفِي السّنَنِ عَنْهُ قَالَ قَالَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ أَحَبّ عِبَادِي إلَيّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا وَهَذَا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ تَأْخِيرِ الْفِطْرِ فَكَيْفَ تَرْكُهُ وَإِذَا كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً فَإِنّ أَقَلّ دَرَجَاتِ الْعِبَادَةِ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَبّةً. وَالْقَوْلُ الثّالِثُ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ أَنّ الْوِصَالَ يَجُوزُ مِنْ سَحَرٍ إلَى سَحَرٍ وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تُوَاصِلُوا فَأَيّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السّحَرِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ. وَهُوَ أَعْدَلُ الْوِصَالِ وَأَسْهَلُهُ عَلَى الصّائِمِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ بِمَنْزِلَةِ عَشَائِهِ إلّا أَنّهُ تَأَخّرَ فَالصّائِمُ لَهُ فِي الْيَوْمِ وَاللّيْلَةِ أَكْلَةٌ فَإِذَا أَكَلَهَا فِي السّحَرِ كَانَ قَدْ نَقَلَهَا مِنْ أَوّلِ اللّيْلِ إلَى آخِرِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.